تأملات يومية

الطريق الأخير

أحيانا، في ساعات هادئة من الليل، يخطر لي سؤال غريب…

ليس سؤالا كبيرا من تلك الأسئلة التي يكتب عنها الفلاسفة، بل سؤال بسيط:

كيف يمكن أن تنتهي حياة الإنسان؟

ليس النهاية الكبرى التي تُكتب في الكتب،

ولا تلك النهايات المرتبة التي تُقال فيها كلمات جميلة قبل أن تُطفأ الأنوار.

بل النهاية العادية…

النهاية التي تشبه الطرق الطويلة حين تصبح فجأة فارغة.

أتخيل أحيانا

ثم تبهت الأشياء في مخيلتي، كما تبهت الصور القديمة.

أن يصبح الكلام أصعب،

والأسماء أثقل،

والذكريات… أقل وضوحا.

حتى أجد نفسي يوما أمشي في شارع ما،

أتكلم وحدي،

ولا أعرف تماما كيف وصلت إلى هناك.

رجل آخر من أولئك الرجال الذين يمرّ الناس بجانبهم بسرعة،

كما يمرّون بجانب عمود إنارة قديم أو مقعد متعب في حديقة.

ربما سأمشي يوما في الشارع

وأتحدث مع نفسي طويلا.

والناس سيفعلون ما يفعله الناس عادة…

سيعبرون الطريق إلى الجهة الأخرى.

وقد يحدث أن يمرّ الجميع.

وجوه أعرفها…

أسماء عشت معها سنوات…

ضحكات كانت يوما قريبة من قلبي.

ويمضون.

ولا أحد يتوقف.

لكن الشيء الذي يشغلني

ليس الجنون نفسه.

بل الناس.

الناس الذين جلسوا معي يوما حول طاولة قهوة،

أو رافقوني في طريق سفر،

أو شاركوني لحظة صغيرة لا يتذكرها أحد الآن.

أفكر فيهم أحيانا… وأتساءل:

لو حدث ذلك فعلا…

لو صرت يوما ذلك الرجل الذي يمشي في الشارع ويتحدث مع نفسه…

هل سيمر أحدهم أمامي؟

هل سيتوقف لحظة؟

ربما لن أفهم كل الكلمات.

ربما سيكون رأسي متعبا.

لكنني أتخيل شيئا صغيرا.

أن تبقى في داخلي قدرة واحدة لم تمت بعد…

قدرة القلب على التعرّف إلى اللطف.

أن أشعر بيد توضع على كتفي،

وأن يصلني صوت بعيد يقول:

“لا تخف… نحن نعرفك.”

وربما حينها،

وأنا أمشي في الشارع وأتكلم مع نفسي،

لن أتذكر الكثير من الأشياء.

لكنني أتمنى أن أتذكر شيئا واحدا فقط…

الصوت الذي كان يناديني باسمي

كما كانت أمي تناديني.

لأن الإنسان، مهما ضاع بعيدا،

يظل يبحث في النهاية

عن ذلك الصوت.

تدوينات سابقة