مائدة لا تشبهني
خرجتُ في ثاني يوم من رمضان.
مشيت طويلا في الشارع،
الخطوات كانت أبطأ من المعتاد،
المدينة كانت تستعد للمساء ببطء.
أصوات الناس،
روائح الخبز،
والأذان الذي يقترب كأنه وعد.
مررتُ قرب مقهى،
تتفوح منه رائحة حساء ساخن.
رائحة لا تُقاوم،
سألتُ عن الإفطار.
قال الرجل بهدوء:
“مجاني.”
ظننت أنني لم أفهم.
أنا الذي كنت أدخل موائد رمضان من باب الدعوة،
أو من باب الدفع،
لا من باب الحاجة.
ترددتُ لحظة.
ثم دخلت.
أعطوني حساء.
وخبزا.
وابتسامة،
ادعيتُ أنني نسيت محفظتي في المنزل.
لا أعرف لماذا قلتها.
ربما لأطمئن نفسي أنني “عابر مؤقت”.
لكن الحقيقة كانت أبسط وأقسى:
كنت أجلس على مائدة مجانية لأول مرة.
حولّي،
في أماكن متفرقة داخل المقهى،
دخل رجال من الشارع.
وجوه متعبة،
ملابس لا تحمل عناوين،
عيون تعرف الطريق إلى الجوع أكثر مما تعرف الطريق إلى البيت.
جلسوا بصمت.
لم يمثلوا الكرامة،
ولم يشرحوا شيئا.
فقط أكلوا.
شعرت أنني أنا الغريب بينهم.
هم يعرفون هذه الطاولة.
أما أنا،
فكنت أتعلمها لأول مرة.
نظرت إلى وجوههم،
وإلى يدي وهي تمسك الملعقة.
الفرق الوحيد بيننا
كان قصة لم تُكتب بعد.
هم فقدوا كل شيء منذ زمن.
وأنا…
كنت أفقد صورة جديدة.
خرجت،
وفي الطريق،
تذكرت أنني كنت يوما من الذين يمرّون قرب هذه الموائد،
ويقولون في سرّهم:
“الله يعينهم.”
اليوم،
كنت أحدهم.
حين وضعت رأسي على الوسادة،
ونامت المدينة،
ظلّت صورة رجلٍ منهم في رأسي.
كان يأكل بهدوءٍ لا يشبه الجوع،
بل يشبه الاستسلام.
وفهمت فجأة
أن أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان
ليس أن يجوع…
بل أن يتصالح مع جوعه ..
إلى الأبد.
الجانب الآخر من الطاولة
في حسابي أربعة دراهم.
رقم صغير جدا…
صغير إلى درجة أنني أستطيع أن أحفظه دون أن أفتح التطبيق.
منذ أسبوع لم أخرج من المنزل.
رمضان على الأبواب,
في كل مناسبة مشابهة، كنت أنا المبادر.
أنا الذي يسأل: من يحتاج؟
كنت أفعلها لأنني أعرف شكل الحاجة عندما تختبئ خلف ابتسامة.
هذا العام تغيّر المشهد.
لأول مرة أقف في الجهة الأخرى من الطاولة.
لا ألوم أحدا.
ربما لم أعلّمهم أن يسألوا عني.
ربما لعبتُ دور السند بإتقانٍ زائد، حتى صدّق الجميع أنني لا أحتاج سندا.
الحقيقة بسيطة، وعارية، ومؤلمة قليلا,
الليلة أفكر:
غدا سيحين وقت الإفطار،
ولا أعرف بعد كيف سيكون شكله.
جلستُ قبل قليل أحدّق في هاتفي طويلا.
فكرتُ أن أضعه للبيع.
أستطيع أن أستغني عن جهاز.
أستطيع أن أبدأ من جديد.
لكن الأمر أكبر من مسألة بيع هاتف:
الأمر عن كيف يبدو الإنسان عندما يقف بهدوء على الحافة ..
لا يلوّح طلبا للنجاة،
فقط ينتظر أن ينقذه أحد.