التدوينة ١

الصباح في القرية كان بطيئا ذلك اليوم.
ضوء خفيف يدخل من نافذة صغيرة.
غبار يلمع في الهواء.
وصوت ديك بعيد.

أم مستلقية على السرير.
بجانبها طفل صغير، بشعر مبعثر.
عثمان. خمس سنوات.
يتمدد قليلا.
يلتصق بظهرها.
يقول بصوت نائم:
“ماما…”
لا جواب.

يضحك بخفة، يهز كتفها.
“ماما…”

ينزل من السرير.
يفتح الباب.
الشمس في الخارج حارقة.
أطفال الحي يلعبون بالحجارة.
يجري نحوهم: “تعالوا… أمي نائمة. لا تريد أن تستيقظ.”

يدخلون معه.
يتوقفون عند العتبة.
وجوههم تتغير.
أحدهم يهمس:
“هي لا تتحرك.”
عثمان يلتفت إليهم ضاحكا.
“قلت لكم… هي نائمة.”

لا دموع.
لا ذعر.
أصوات نساء.
صراخ مكتوم.
رجال يدخلون.
الطفل يُبعد إلى زاوية الغرفة.
هو ينظر.
يحاول أن يرى وجهها.
ولا يفهم لماذا يحملونها بعيدا.

تمر السنوات سريعا.
صوت تقويم يُقلب.
صوت حافلة.
صوت مدينة.
عثمان في الخامسة عشرة.
يجلس وحده على حافة السرير.

في تلك الليلة، لم يحدث شيء استثنائي.
لم يكن هناك ذكرى سنوية، ولا حديث عن الماضي.
كان يجلس وحده فقط، يحدق في الحائط، حين عاد المشهد فجأة.
الغرفة. الضوء الرمادي. صوته الصغير.

فجأة شعر بأن شيئا قديما يتحرك.
صورة أمه كما تركها صباحا.
صوته الصغير.
خطواته وهو يركض إلى أصدقاء الحي.

انهمرت الدموع بهدوء أولا،
ثم صارت غزيرة، صادقة، كأنها تعرف طريقها منذ زمن.
لم يقاومها.
تركها تسيل،
كأنها تؤدي واجبا تأخر عشر سنوات.

لم يحاول أن يتماسك.
بكى كما يبكي طفل ضاع منه الطريق.
بكى عشر سنوات دفعة واحدة.

الأخت التي كان عمرها ثلاثة أيام فقط في ذلك اليوم القديم.
صارت الآن طفلة تمشي خلفه.
يحملها عثمان على ظهره.
وفي عينيه شيء تغيّر.
لا يفكر في البطولة،
ولا في أنه “رجل البيت”.
يفكر فقط أن أحدا يجب أن يبقى واقفا.
وفي مكان ما داخله،
ما زال ذلك الطفل يقف عند باب الغرفة في القرية،
ينتظر أن تستيقظ أمه.


التدوينة ٢

لم يكن عثمان يتحدث كثيرا عن والدته.
في الحقيقة، كان يتحدث عن أشياء أخرى دائما: العمل، الإيجار، سعر الخضر، ازدحام الحافلات.
أما أمه، فكانت تمرّ في كلامه، مثل اسم شارع قديم .. يحمل ذكريات لا يمكن نسيانها .
توفيت وهو صغير.
صغير بالقدر الذي يجعل الطفل لا يفهم الموت، لكنه يفهم الغياب.

كبر بسرعة.
لأن البيت احتاج رجلا.

أب فلاح في قرية بعيدة،
يستيقظ قبل الشمس ويعود بعد الغروب،
يحمل تعب الأرض على كتفيه، ولا يملك إلا القليل ليرسله كل شهر.

هاجر عثمان إلى المدينة.
استأجر غرفة صغيرة،
سريران متقابلان، خزانة خشبية قديمة، ومطبخ بالكاد يتسع لقدر وبضعة صحون.
عاش فيها مع أختيه.
كان يحسب الأيام بالأقساط:
إيجار، ماء، كهرباء، خبز، حليب.
راتبه كان من عمل بسيط يكفي بالكاد.

حين مرضت إحداهما، تأخر في شراء حذاء جديد لنفسه.
وحين احتاجت الأخرى إلى رسوم دراسة، عمل ساعات إضافية دون أن يخبر أحدا.

لم يكن بطلا،
كان فقط أخا.

مرت السنوات.
كبرت الأختان.
تزوجتا.

خرجتا من الغرفة كما تخرج البنات من بيوت آبائهن، بفرحٍ ودموعٍ خفيفة.
وبقي عثمان وحده.
الغرفة نفسها.
السريران أصبحا سريرا واحدا.

في المساء، يعود من عمله البسيط،
يضع المفاتيح في المكان نفسه،
يعدّ ما تبقى من النقود،
ويحسب ما يكفيه حتى نهاية الشهر.

كان هاجسه اليومي بسيطا ومخيفا في آن:
كيف يسدد الإيجار؟
كيف يؤمّن الطعام؟
كيف لا يطلب من أبيه أو من شخص آخر؟

لم يكن يخاف الفقر.
كان يخاف أن يصبح عبئا.

الذين يعرفونه يرونه شابا عاديا.
عمل بسيط. قميص نظيف. ابتسامة خجولة ..

لكن من يقترب قليلا…
من يجلس معه،
يرى طفلا تعلّم الحساب قبل اللعب،
وتحمّل المسؤولية قبل أن يعرف معنى الطفولة.

طفلا كبر دون أن يُسمح له أن يكون طفلا.

حين رأيته أول مرة ..
رأيت نسخة قديمة من نفسي.
بتفاصيل مختلفة،
لكن القلق نفسه.
لهذا، حين أفكر في دعمه،
لا أفعل ذلك بدافع الشفقة.
ولا بدافع الاستعراض.

أفعل ذلك لأنني أعرف هذا التعب جيدا.
أعرف معنى أن تنام وأنت تحسب الغد قبل أن يأتي.
أعرف معنى أن تكبر وأنت تخاف أن تخيّب أمل أحد.

أحيانا أنظر إليه وأتساءل:
كم من المرات ابتلع خوفه حتى لا يقلق أحدا؟
كم من المرات تظاهر بأن الأمور بخير لأنها يجب أن تكون كذلك؟
أنا أعرف هذا الدور.
فقد عشته طويلا.

ربما لا يعرف عثمان كل هذا.
ربما يظن أن الأمر مجرد مساعدة عابرة.
لكن الحقيقة أبسط وأعمق:
أحيانًا، حين نمدّ أيدينا لشخصٍ يشبهنا،
نحن لا ننقذه…
نحن نحاول أن نمنح أنفسنا القديمة فرصة لم تحصل عليها.

ربما لا يعرف عثمان أنني حين أصرّ على الوقوف بجانبه، لا أفعل ذلك لأنني أقوى منه.
أفعل ذلك لأنني أعرف جيدا شكل ذلك الصبي الذي ينام وهو يحسب ما ينقصه.

وأعرف كم كان يمكن ليدٍ واحدة، في الوقت المناسب، أن تختصر سنواتٍ من التعب.
لهذا، حين أمدّ يدي له،
أمدّها أيضا لذلك الفتى الذي كنتُه…
ولم يجد أحدا.