إلى الطفل الذي كنتُه
عزيزي أنا
أكتب إليك بعد سنوات طويلة .
أتذكرك جيدا.
كنت تضحك بسرعة.
تسامح الناس بشكل أسرع.
تظن أن الطيبة مهارة لا تُهزم.
كنت تدخل الغرف بابتسامة عريضة،
كأنك تحمل مشروع حب مفتوح المصدر للجميع.
لا شروط استخدام.
لا جدار حماية.
كنت تعتقد أن الناس يشبهونك.
أعرف أنك كنت تبذل جهدا مضاعفا لتُرضي الجميع.
تقول “لا بأس” وأنت تمتلئ بالأسى.
تقول “أنا بخير” وأنت تتمنى أن يسألك أحد للمرة الثانية.
أريد أن أعتذر لك.
كنت أظنك ضعيفا.
واليوم أفهم أنك كنت شجاعا أكثر مني.
أتعرف ما الذي يبكيني حقا؟
أنك كنت تؤمن أن العالم مكان يمكن إصلاحه بالمحبة فقط.
وكنت أضحك من تلك الفكرة لاحقا…
حتى اكتشفت أنني حين فقدت إيمانك… فقدت جزءا مني.
أتذكر عينيك حين كنتَ تصدق الوعد كما لو أنه قانون كوني.
أتذكر طريقتك في الانتظار…
وكأن العالم لن يجرؤ على خذلانك.
لو أخبرتك يوما أن بعض الوعود ستُكسر،
وأن بعض الأبواب ستُغلق في وجهك دون تفسير،
هل كنتَ ستتغير؟
أخشى أنك كنت ستظل كما أنت.
وهذا ما يجعلني أحبك… وأحزن عليك.
أريد أن أقول لك شيئا أخيرا،
شيئا لم أسمعه أنا حين كنت مكانك:
ليس عليك أن تُنقذ الجميع.
وليس عليك أن تكون الجسر الذي يعبره الآخرون ثم ينسونه.
أنت تستحق أن يُمسك بك أحد…
كما أمسكتَ أنت بالجميع.
وأتعرف ما الذي يجعل عينيّ تدمعان الآن؟
أنني حين أشتاق إلى الطمأنينة…
لا أبحث عنها في الناس.
أبحث عنها فيك.
وفي كل مرة أجدك بعيدا قليلا…
أشعر أنني كبرتُ أكثر مما ينبغي.
يا صغيري…
إذا التقينا يوما في حلم،
أرجوك…
لا تسألني لماذا تغيّرت.
فأنا ما زلتُ أحاول أن أجد الطريق إليك.
الرسائل التي لا نرسل
في هاتفي رسائل كثيرة.
ليست محفوظة في المسودات،
ولا مؤرشفة بعناية.
هي فقط… لم تُرسل.
بعضها يبدأ بـ:
“هل يمكن أن أطلب …”
ويتوقف.
بعضها يبدأ بـ:
“كنت أفكر في إمكانية الحصول على …”
ثم يُحذف.
وبعضها لا يتجاوز كلمة واحدة:
“مرحبا، هل تتذكرني؟ أحتاج بعض الدعم.”
في هذه الأيام،
أكتشف أن أصعب زر في الهاتف ليس “الحذف”،
ولا “إعادة تحويل رسالة”،
بل زر “الإرسال”.
كم مرة كتبتُ رسالة أطلب فيها شيئا بسيطا ..
ثم أغلقت الشاشة.
لأن في داخلي شيئا يقول:
“لا تثقل على أحد.”
“أنت دائما من يساند.”
الغريب أنني كنت أرسل رسائل مختلفة تماما.
رسائل دعم.
رسائل تحويل.
رسائل “لا تقلق، أنا هنا.”
كتبتُ اليوم رسالة لأحدهم:
“هل يمكن أن…”
وتوقفت.
لأنني خجلت.
أعرف أن الأمر مؤقت.
ومع ذلك…
لم أرسل لأحد.
الرسائل التي لا نرسلها
لا تختفي.
هي تبقى في الداخل،
وتعلّمنا حجم المسافة بيننا وبين الآخرين.
ربما يوما ما
سأضغط “إرسال” دون أن أتردد.
ربما سأتعلم أن الحاجة ليست ضعفا.
وحتى ذلك الحين،
سأحتفظ بهذه الرسائل في صدري،
وأتعلم كيف يبدو الإنسان
عندما يختار الصمت…
بدل أن يطرق بابا لا يعرف إن كان سيفتح.