مدونة نعيم

الشقة التي تحولت إلى بيت

حين استأجرت هذه الشقة أول مرة، كانت مجرد سقف. سرير. مطبخ صغير. وإنترنت يكفي للعمل. هذا كل شيء.

لم أكن أبحث عن بيت. كنت أبحث عن مكان أقضي فيه بعض الوقت ثم أمضي. مثل عشرات الأماكن التي مررت بها من قبل.

في تلك السنوات، كنت بارعا في الوصول والمغادرة. أفتح الحقيبة. أرتب الملابس. أحفظ الطريق إلى أقرب مقهى. ثم أبدأ حياة جديدة مؤقتة. كأنني أتدرب باستمرار على الرحيل.

لهذا لم أتعلق بالشقة في البداية. لم أمنحها فرصة. كنت أعاملها كما أعامل غرف الفنادق.

مرت الأيام. ثم الأسابيع. ثم الشهور. وبدأت أشياء صغيرة تحدث دون أن أنتبه.

اشتريت كوبا للقهوة. ثم كوبا آخر لأن الأول لم يعد يكفي. علقت قميصا خلف الباب. وتركت شاحن الهاتف قرب السرير.

وبدأت أعرف أي لوح من الأرضية يصدر صوتا عندما أمشي فوقه. وأي نافذة يجب أن تبقى مغلقة عندما تهب الرياح. وأي ساعة من النهار تدخل فيها الشمس إلى الصالة.

في بعض الصباحات كنت أستيقظ مبكرا. أعد القهوة. وأجلس وحدي. لا موسيقى. لا تلفاز. لا شيء. فقط ذلك الصمت. الصمت الذي يحتاج سنوات حتى يصبح مألوفا.

مرت أيام كثيرة. أيام لم تكن متشابهة. بعضها حمل أخبارا جميلة. وبعضها حمل ما يكفي من القلق لسنة كاملة.

وصلتني فيها رسائل غيرت مسارات كاملة من حياتي. وتعرفت فيها على أشخاص لم أكن أعرف أنهم سيتركون هذا الأثر.

في إحدى الزوايا جلست أحيانا أحسب الديون. وفي زاوية أخرى كنت أخطط للمستقبل.

وعلى هذا السرير نفسه استيقظت صباحات كثيرة وأنا مقتنع أن الأمور ستتحسن. وصباحات أخرى كنت أحتاج فيها إلى الكثير من الشجاعة فقط كي أبدأ اليوم.

الشقة رأت كل ذلك. رأت النسخ المختلفة مني. الرجل المتفائل. والرجل الخائف. والرجل المتعب.

ولهذا جاء سؤال التجديد هذا العام مختلفا. ربما سأجدد. وربما سأرحل.

قد أقف وحدي في المنتصف. أنظر حولي للمرة الأخيرة. وأدرك أن الضحكات التي ضحكتها هنا. والخوف الذي عشته هنا. والأحلام التي بنيتها هنا. والليالي التي نجوت منها هنا. لن تغادر معي كلها.

سيبقى شيء منها في هذا المكان. كما بقي شيء مني في مدن أخرى. وفي بيوت أخرى. وفي غرف أخرى ظننت يوما أنني أقيم فيها مؤقتا.

ثم اكتشفت متأخرا أن الإنسان لا يسكن الأماكن وحده. الأماكن أيضا تسكنه. ولهذا يصبح بعض الرحيل مؤلما. ليس لأننا نفقد بيتا. بل لأننا نودع جزءا من أنفسنا… عاش هناك لبعض الوقت.