مدونة نعيم

الغرفة الثانية

حين انتقلنا إلى ذلك المنزل، كانت الغرفتان فارغتين. فارغتين بالمعنى الحرفي للكلمة. لا أسرّة. لا طاولات. لا أكواب في المطبخ. مجرد شقة فارغة تنتظر أن يسكنها أحدهم.

أتذكر أننا وقفنا يومها نتحدث عن أشياء صغيرة. أي غرفة ستكون لمن. أين نضع الطاولة. ومن سيشتري أول مصباح للممر.

مرت السنوات. امتلأت الغرفتان بالأثاث. وامتلأت الأيام بالتفاصيل. تعرفت على عاداته. وتعرف على عاداتي. صرنا نعرف متى يحتاج كل واحد منا إلى الصمت. ومتى يحتاج إلى الحديث. متى يكون في مزاج جيد. ومتى يكون من الأفضل تركه وحده لبعض الوقت.

هناك مرحلة معينة في العيش مع شخص لسنوات طويلة. مرحلة يتوقف فيها عن كونه زميل سكن. ويصبح شيئا مختلفا. شيئا لا تملك له اسما واضحا. ليس أخا بالمعنى الحرفي. وليس صديقا أيضا. وإنما شيئا بين الاثنين. شيئا يجعلك تطمئن إلى وجوده في الغرفة الثانية. حتى وأنت لا تتحدث معه. حتى وأنت لا تراه. مجرد معرفتك أنه هناك تكفي.

لهذا لم ألاحظ التغيير حين بدأ. التغييرات الكبيرة لا تصل غالبا بصوت مرتفع. تصل مثل تسرب ماء خلف الجدار.

ببطء. بهدوء. حتى يأتي يوم تكتشف فيه أن الرطوبة وصلت إلى كل شيء.

في البداية كانت هناك أسماء جديدة. ثم مكالمات أطول. ثم خطط لا أعرف عنها شيئا. ثم ذلك النوع من الحماس الذي لا يظهر إلا عندما يدخل شخص جديد إلى حياة أحدهم.

كنت أراقب المشهد من بعيد.

ثم جاءت تلك الليلة. لا أتذكر الكلمات حرفيا. لكنني أتذكر الإحساس جيدا.

ذلك الإحساس الغريب حين يجلس شخص أمامك ويتحدث عن البيت الذي تعيش فيه منذ سنوات وكأنك ضيف مؤقت. يتحدث عن الغرف. عن الحدود. عن الحقوق. عن الأشخاص الذين سيأتون. والأشخاص الذين سيبقون.

جلست أستمع. وفي كل جملة كنت أشعر أن الجدران تبتعد قليلا. ولأول مرة شعرت أن الممر المؤدي إلى الغرفة المجاورة أطول من كل الطرق التي سلكتها في حياتي.

اليوم لا أتذكر كثيرا مما قيل. الكلمات تنسى بسرعة. أما الإحساس فيبقى.

في تلك الليلة لم أخسر غرفة. ولم أخسر منزلا. ولم أخسر حقا في السكن. خسرت شيئا أبسط من ذلك بكثير. خسرت القدرة على النظر إلى الغرفة الثانية والشعور أن فيها شخصا من أهلي.

مرت سنوات طويلة قبل أن أفهم ما حدث. لم يكن هناك منزل واحد في تلك الشقة. كان هناك منزلان.

كنت أعيش في الأول. أما الثاني… فقد غادره صاحبه منذ زمن طويل دون أن يخبرني.