مدونة نعيم

قالوا إنها حادثة

عدت إلى ذلك المبنى بعد سنوات.
كنت أمر من الحي.
ورأيته.

الباب الحديدي نفسه.
الدرج نفسه.
والمصعد الذي كنت أحفظ صوته أكثر من أي شيء آخر.

وقفت قليلا.
ثم دخلت.

في الطابق الرابع كان كل شيء مختلفا عما أتذكر.
الجدران باهتة.
والباب ضيق.
كأن السنوات أخذت جزءا من المكان.

طرقت الباب ..
خرج رجل لا أعرفه.
سألته إن كان ما زال يسكن هنا فلان.
وذكرت اسمه.

نظر إليّ للحظة.
ثم قال:
“لا.”

انتظرت.
ظننت أنه سينهي الجملة بعنوان جديد.
أو مدينة أخرى.
أو رقم هاتف.
لكنه سكت.

هز رأسه ببطء.
ثم أغلق الباب..

غادرت.
وبدأت أمشي.
دون وجهة حقيقية.
في الشوارع نفسها التي كنا نعبرها كل يوم.

المخبزة ما زالت هناك.
الصيدلية أيضا.
حتى المقهى الذي كان يشتكي منه دائما لأنه يرفع صوت الموسيقى.

كل شيء بقي في مكانه.
كأن المدينة لم تسمع الخبر أصلا.

في المساء جلست في الفندق.
فتحت هاتفي.
ظهر عنوان قصير ..
قصير جدا.
بضعة أسطر فقط.
أقصر من عمر كامل.
يذكر التاريخ.
والمكان.
ويذكر أن الشرطة ترجّح أن الوفاة ناتجة عن حادث.

حين قرأت الخبر ..
اختفت كل التفاصيل التي ظننت يوما أنها كبيرة.
كل الغضب.
كل الحسابات القديمة.

أدركت أنني كنت أنظر إلى الفصل الخطأ من القصة كلها.

اختفى كل ذلك ..
وبقي شيء واحد فقط.

صورة شاب يجلس في الغرفة المجاورة.
خلف جدار رقيق.
في ليلة عادية جدا.

ثم عاد إليّ شعور قديم.
شعور عرفته وأنا أعيش معه.
ولم أعرف له اسما يومها.

كان الشخص الذي ينام في الغرفة المجاورة يقف دائما على حافة لا يراها أحد.
وأحيانا…
لا يراها حتى هو نفسه.

كان يخوض معركة أخرى بالكامل.
معركة لم يخبرني عنها أحد.

وربما…
لم يخبر نفسه بها أيضا.