العودة إلى الفهرس

كوبا شاي كالعادة

في البداية، كنت أصل قبله.
أجلس.
أنظر إلى البحر.
وأنتظر.
ثم، مع الوقت، تغير الأمر.
صار هو يصل أولا.

كنت أصل، فأجد الشاي قد وصل.
كأسان.
ودون أن يسألنا أحد.
لم نكن نتكلم كثيرا.
هو أكبر مني.

يعرف متى يترك الأشياء دون تعليق.
ويعرف متى يغير الموضوع.
ويعرف أنني أحب الجلوس قرب النافذة.
ويعرف أنني أكره السكر.
وفي بعض الأيام، لم نكن نتحدث أصلا.
نجلس.
نشرب الشاي.
نراقب البحر.
ثم نعود.

الغريب أن الناس كانوا يظنون أشياء كثيرة.
بعضهم كان يظنه عمي.
وبعضهم يظنه جارا قديما.
وأذكر أن النادل الجديد سألني مرة:
“هل هذا والدك؟”
فضحكت.
ولم أصحح له شيئا.
تركت السؤال يمر.
مثل أشياء كثيرة تركناها تمر.

مرت الأيام.
النادل لا يسأل.
وصاحب السمك يبتسم عندما يراني وحدي ويقول:
“أين صاحبك؟”
وأقول:
“سيأتي.”
لأنني كنت أظن أنه سيأتي دائما.
وفي ذلك الشتاء، حدثت بيننا أشياء صغيرة.
أشياء لا تستحق الذكر.
لكنها كانت كافية.
أصبحنا نتكلم أقل.
ثم أصبحنا نلتقي أقل.
ثم توقفنا.

بعد أسابيع، دخلت المقهى.
لم أكن أفكر فيه.
على الأقل، هذا ما كنت أقوله لنفسي.
جلست.
جاء النادل.
ابتسم.
وقال:
“منذ فترة لم تأت.”
ثم توقف قليلا.
وأضاف:
“هو أيضًا لم يعد يأتي.”
هززت رأسي.
ولم أسأل.
دفعت الحساب.
وهممت بالمغادرة.
فناداني.
وقال:
“بالمناسبة…”
“أنت أول شخص رأيته يشرب كأس الشاي الثانية.”
التفت إليه.
لم أفهم.
فابتسم وقال:
“طوال الأيام التي كنتما تأتيان فيها…”
“كان يطلب شايين.”
“لكنه كان يشربهما وحده.”
سكت.
ثم أضاف:
“كنت أظنكما صديقين.”
“لكن الرجل كان يصل قبل ساعة.”
“ويجلس وحده.”
“وأحيانا يبقى حتى يبرد الشاي.”
“ثم يأتي في اليوم التالي.”
“ويفعل الشيء نفسه.”
“لذلك فرحت عندما بدأت تأتي.”
“ظننت أنكما تعرفتما أخيرا.”

وقفت أنظر إليه.
لم أقل شيئا.
فقط تذكرت كل المرات التي كنت أصل فيها.
وأجده مبتسما.
والشاي جاهزا.
وكنت أظن…
أنها صدفة.