الطيار الآلي
في كل صباح، كان الرجل يغادر منزله في السابعة تماما.
يلقي التحية على الحارس.
يعبر الشارع.
يشتري القهوة من المقهى نفسه.
يجلس إلى الطاولة نفسها.
حتى إن النادل لم يعد يسأله ماذا يريد.
كان يحضر الطلب قبل أن يجلس.
ذات يوم
قال له النادل:
“مثل المعتاد؟”
أجاب:
“نعم.”
ثم توقف.
لم يتذكر ما هو “المعتاد”.
نظر إلى الكوب الذي وُضع أمامه.
ظل يحدق فيه كما لو أنه يراه لأول مرة.
…في الطريق إلى العمل…
مر بجانب متجر جديد.
أقسم أنه لم يره من قبل.
سأل أحد المارة:
“متى افتتح هذا المتجر؟”
ابتسم الرجل وقال:
“قبل ثلاث سنوات.”
في المكتب…
كان هناك زميلا يستعد لمغادرة الشركة.
قال إنه انتقل إلى مكان آخر.
صافحه الجميع بحرارة.
أما هو…
فلم يكن يعرف اسمه.
رغم أنه جلس بجواره خمس سنوات.
عاد مساء ..
لاحظ أن جاره قد غيّر باب المنزل.
والطفل الذي كان يلعب أمام العمارة…
صار شابا أطول منه.
حتى الشجرة التي كان يركن يستظل تحتها…
أصبحت ضخمة.
تساءل:
متى حدث كل هذا؟
فتح ألبوم الصور في هاتفه.
وجد مئات الصور.
مطاعم.
فنادق.
سفر.
احتفالات.
أعياد.
لكن المفاجأة…
أنه لم يستطع تذكر أي يوم منها.
كانت تبدو كصور التقطها شخص آخر.
في تلك الليلة…
أغلق هاتفه.
جلس في الشرفة.
كان يسمع أصواتا يعرفها منذ سنوات.
سيارة تمر.
طفل يضحك.
باب يُغلق.
ريح خفيفة بين الأشجار.
كلها كانت هناك دائما.
الشيء الوحيد الذي لم يكن حاضرا…
هو نفسه.
حينها فقط فهم.
أنه لم يكن هو من يقود حياته طوال تلك السنوات.
كان مجرد راكب…
والذي كان يقودها، بصمت …
هو وضع الطيار الآلي.
