العودة إلى الفهرس

آخر صورة من الوادي

كانت خطتنا متواضعة.
وهذه أول علامة على أن الأمور لن تسير كما خططنا.
سنلتقي في طنجة.
ثم نركب القطار.
ثم الصويرة.
لا جبال.
لا أودية.
ولا عمليات بحث وإنقاذ.


في اليوم السابق، صعد عثمان إلى منزل والده في منطقة جبلية اسمها أقشور، شمال المغرب.
قال إنه سيمر أيضا على قبر والدته.
ثم أرسل صورة.
واد عميق.
ماء.
أشجار.
وصخور تبدو مقتنعة أن البشر مجرد زوار عابرون.
بعدها…
لم يرسل شيئا آخر.


اتصلت.
لا جواب.
أعدت الاتصال.
لا جواب.
كتبت.
انتظرت.


في الساعة الأولى، قلت إن الشبكة ضعيفة.
في الثانية، قلت إن البطارية نفدت.
في الثالثة، توقفت عن اختراع الأعذار…


تذكرت أنه حدثني مرة عن وفاة أمه وهو طفل.
وكيف خرج يومها ليخبر أصدقاءه أنها لم تمت.
وإنما نائمة فقط.
لا أعرف لماذا عادت هذه القصة تحديدا.
لكنها فعلت.
وظلت تجلس إلى جواري بقية النهار.


أدركت فجأة أنني لا أملك رقم والده.
ولا رقم أحد من إخواته.


عند السادسة، لم أعد أفكر في الشبكة.
بدأت أفكر في الكلمات.
في آخر شيء قاله لي.
وفي آخر شيء قلته له.
حاولت أن أتذكر إن كنت قد ودعته جيدا.
لم أفعل.
كنا نتحدث عن طنجة، والقطار، والصويرة، وموعد الوصول.
حديث عادي جدا.
من ذلك النوع الذي لا ينتبه إليه أحد، لأن الجميع يظنون أن هناك حديثا آخر سيأتي بعده.


فكرت فيمن سأخبر أولا.
كيف سأقول لأصدقائه إنني كنت آخر من تحدث إليه؟
كيف سأشرح لعائلتي أن الرجل الذي كنت سأسافر معه صباحا، لم يصل؟
وكيف سأقف أمام والده، في ذلك البيت وسط الجبل، وأقول له إنني انتظرت في طنجة طويلا، ثم عدت وحدي؟
لم أكن أعرف اسما واحدا من أخواته.
ولا أملك رقما واحدا من عائلته.
كنت أعرف ضحكته.
وأعرف الأشياء التي يخفيها خلف المزاح.
لكنني لم أكن أعرف بمن أتصل إذا مات.


فتحت محادثتنا.
آخر صورة كانت للوادي.
ظللت أنظر إليها طويلا.
الماء في الأسفل.
والصخور من حوله.
ولا أثر لعثمان.
فكرت أن هذه قد تكون آخر صورة وصلت منه إلى أحد.
وأنني، بعد أيام، ربما سأفتحها أمام الناس وأقول:
«هذه آخر صورة أرسلها.»
جملة واحدة.
لكنها كانت ثقيلة إلى درجة أنني أغلقت الهاتف.


تذكرت أمه.
تذكرت الطفل الذي خرج إلى أصدقائه وقال لهم إنها نائمة.
وفكرت، للمرة الأولى، أن عثمان ربما ظل طوال حياته ينتظر أن تستيقظ.
وأنني الآن أنتظر الشيء نفسه من هاتفه.


عدت إلى الفندق لأحمل حقيبتي.
كنت سأرجع إلى تطوان.
لم أعرف أين سأبحث، ولا بمن سأبدأ، ولا ماذا سأفعل إذا وجدت الجواب الذي أخشاه.
كنت أعرف شيئا واحدا فقط:
أنني لن أبقى في غرفة، بينما احتمال رحيله ينام وحيدا في جبل.


رن الهاتف وأنا أرتدي معطفي.
ظهر اسمه.
بقيت أنظر إلى الشاشة.
كان حيا.
هذه الفكرة وحدها كانت أكبر من قدرتي على الفرح.
اتصل مرة ثانية.
ثم ثالثة.
ولم أجب.
كنت غاضبا إلى درجة أنني أردت أن أصرخ.
وسعيدا بعودته إلى درجة أن صوتي لم يكن ليخرج.


وصل إلى طنجة بعد ساعتين.
دخل كما يدخل شخص تأخر عن موعد عادي.
جلس أمامي.
وتحدث عن انقطاع الشبكة، وعن الطريق، وعن الجبل.
لم أقل له شيئا مما حدث في رأسي.
لم أخبره أنني رتبت خبر موته.
ولا أنني تخيلت وجوه أصدقائه.
ولا أنني حاولت أن أختار الكلمات التي سأقولها لأبيه.
تركته يتحدث.
وكنت أنظر إليه فقط.
إلى يديه.
إلى وجهه.
إلى صدره وهو يرتفع وينخفض.


وفي الصباح، ركبنا القطار إلى الصويرة.
جلس عثمان قرب النافذة، ثم نام بعد قليل.
أما أنا فبقيت مستيقظا.
لم أكن أراقب الطريق.
كنت أراقب تنفسه.
هذه المرة فقط…
كنت أعرف أنه نائم.