العودة إلى الفهرس

ليلة أخرى في مراكش

وصلت إلى مراكش البارحة.

زيارة قصيرة. ليلة واحدة، ثم أواصل طريقي.

في الليل حلمت أن الصديق السابق قد مات.

لم أرَه ميتا.

وصلني الخبر فقط.

قيل حادث. وقيل انفجار. وقيل شيء آخر لم يكن أحد متأكدا منه.

تنقلت الروايات وبقيت النتيجة واحدة.

مات.

بحثت عن طبيب كنت أعرفه.

وجدته وسألته:

هل الخبر صحيح؟

قال:

نعم.

ثم أضاف أنه لا يتمنى له الرحمة.

لم يقل أكثر من ذلك.


ذهبت إلى بيت أهله.

كانت والدته هناك.

وإخوته.

لم أرَ صراخا.

رأيت أشخاصًا لم يعرفوا ماذا يفعلون بعد ذلك.

آخر يدخل الغرفة ثم يخرج منها.

والدته جالسة.

تنظر أمامها.

ثم تسأل عنه.

وبعد قليل تسأل عنه مرة أخرى.

كان أحد إخوته يتحدث إلى شخص في الهاتف.

يتوقف.

يسأل الموجودين عن شيء.

ثم يعود إلى المكالمة.

والآخرون حوله ينتظرون.

لم يكن أحد يعرف من الذي ينبغي الاتصال به أولا.

ولا ماذا سيحدث غدا.


نظرت إلى والدته.

عرفتها لسنوات.

اقترب منها أحدهم.

قال لها شيئا لم أسمعه.

هزت رأسها.

ثم رفعت عينيها نحو الباب.

بقي الباب مغلقا.


كان إخوته يتحركون كثيرا.

يفتح أحدهم هاتفه.

يغلقه.

يتصل شخص بآخر.

تبدأ جملة ولا تكتمل.

ثم يعود الصمت.


ثم رأيته.

الشخص الذي صار قريبا منه في السنوات الأخيرة.

أعرفه جيدا.

آذاني هو أيضا.

ذهبت إليه في الحلم لأعزيه.

راقبت وجهه.

كان محايدا.

محايدا إلى درجة جعلتني أشك للحظة في أنني وصلت إلى الشخص الخطأ.

لكنه كان يعرف.

الخبر وصله.

وهو يعرف أنه مات.

ومع ذلك واصل الأكل والضحك والحديث كأن شيئا لم يحدثز..


عدت إلى أهله.

والدته ما زالت هناك.

وإخوته أيضا.

كنت أعرف أنه مات.

أكد الطبيب ذلك.

وعرفت عائلته.

وعرف الشخص الآخر.

ومع ذلك كنت أنظر إلى الباب من حين إلى آخر.


عشت سنوات في هذه المدينة.

وعبارة صديق سابق لا تشرح تلك السنوات جيدا.

عشنا تحت سقف واحد.

عرفت أهله.

عرفوا حياتي.

ثم دخلت أشياء كثيرة.

ودخل أشخاص.

وفي النهاية خرجت أنا.

في اليوم الأخير حملت حقيبتي وغادرت البيت.

لم أكن أعرف أين سأضعها.


في الحلم لم تظهر الحقيبة.

ولم يظهر ذلك اليوم.

لم يظهر البيت القديم حتى.

ظهر أهله فقط.

والدته جالسة.

إخوته يتنقلون بين الغرف.

والهاتف ينتقل من يد إلى أخرى.


استيقظت في الصباح.

احتجت لحظات حتى عرفت أنني في غرفة أخرى، في مراكش.

ظل خبر موته صحيحا لثوان.

ثم اختفى.

لم يمت.

مددت يدي إلى الهاتف.

كانت الساعة تشير إلى السابعة,


بعد قليل خرجت من الغرفة.

كانت مراكش كما تركتها بالأمس.

إخوته لم يكونوا يبحثون عن أوراقه.

لم يكن أحد منهم يسأل ماذا سيفعلون غدا.

والطبيب لم يقل شيئا.

ولم يمت أحد.


بقيت صورة واحدة.

والدته تنظر إلى الباب.

انتظرت معها طويلا في الحلم.

ولم يفتح.

هذا الصباح فقط عرفت أنه يستطيع.

وأن له أما ما زالت تستطيع الاتصال به.

وإخوة يستطيعون سؤاله عن الأشياء التي لا يعرفونها.

وأن له يوما آخر، مهما كان عاديا، سيعيشه.

لذلك حين فتحت عيني وعرفت أنه لم يمت،

أغمضتهما مرة أخرى.

وبكيت.