العودة إلى الفهرس

لم يخرج أحد لوداعي

بعض الذكريات تضعنا في موقف محرج.

نود أن نصدق أن صداقة انتهت نهاية سيئة لم تكن تستحق كل تلك السنوات، ثم نتذكر مواقف لا نستطيع إنكار صدقها.

نتذكر أياما كنا فيها مرضى، وأشخاصا اعتنوا بنا، ولحظات شعرنا فيها أن لنا إخوة لم تلدهم أمهاتنا.

ثم نتذكر كيف انتهى كل شيء.

ونكتشف أن أصعب ما في بعض الصداقات هو أن أسباب الابتعاد عنها كانت حقيقية،

تماما كما كانت أسباب التمسك بها يوما ما حقيقية.

ومع الوقت، لا يعود الغضب مقتصرا على ما حدث في النهاية.

يمتد إلى السنوات التي سبقتها.

تبدأ بمراجعة المواقف القديمة،

تتساءل إن كنت قد أسأت فهم كل شيء، وإن كانت تلك الصداقة تستحق فعلا كل ما منحته لها من وقت وثقة.

كيف لم تنتبه؟

ولماذا بقيت حين كان ينبغي أن ترحل؟

وفي المقابل، بعض الأحداث يصعب التشكيك في صدقها.

وهنا يصبح الغضب أكثر تعقيدا.

لأن الإنسان الذي نتمنى لو أننا ابتعدنا عنه مبكرا، قد يكون هو نفسه الذي شعرنا بالامتنان لأنه لم يبتعد عنا حين احتجنا إليه.

ثم أتذكر كيف غادرت، وأنا أبطئ خطواتي، متمنيا أن أسمع أحدهم يناديني لأعود.

تمر السنوات، وتتعلم أشياء كثيرة عن الثقة والكرامة.

ثم ترتكب ظلما آخر في حق نفسك.

تحاسب ذلك الشخص الذي كنت عليه قبل سنوات، بما تعرفه اليوم عن الحياة والناس.

تنسى أنه لم يكن يعرف أن بعض الأشخاص الذين كنا نخشى خسارتهم سيصبح الابتعاد عنهم يوما ما ضرورة ملحة.

نحاول أن نغضب من الماضي كله.

لكن الذاكرة لا تساعدنا.

فهي تتذكر الإساءة، نعم.

لكنها تتذكر أيضا اليد التي امتدت يوم المرض.

وتتذكر الخوف الصادق في صوت من كان يسأل إن كنا بخير.

وتتذكر أننا، في يوم من الأيام، كنا نثق بأن هذا الإنسان سيأتي إذا احتجنا إليه.

وكان يأتي.

كم هو مؤلم أن يكون كل ذلك صحيحا، وأن تكون النهاية المؤلمة صحيحة أيضا.

لا يمكن استعادة تلك السنوات، ولا إصلاح ما انكسر.

حدثت أشياء قاسية، وقيلت كلمات لا يمكن التظاهر بأننا لم نسمعها، وتجاوزت بعض التصرفات حدود ما يمكن أن تحتمله الصداقة، مهما طال عمرها.

ولم يكن الرحيل قرارا اتخذناه في لحظة غضب. لقد سبقه صبر طويل، وخيبات لم نتحدث عنها لأحد.

وحين رحلنا أخيرا، لم يكن لدينا مكان نذهب إليه.

رحلنا كما يرحل الناجون من الحروب، نجرّ حقيبة صغيرة، ونحمل وراءنا عمرا كاملا من الذكريات. لم نلتفت، فقد كان كل ما نعرفه أننا نجونا، وأنه لم يعد لنا مكان نعود إليه.